ابن حجة الحموي

174

خزانة الأدب وغاية الأرب

إخراج الأغمض إلى الأوضح مع حسن التأليف ومنهم من قال التشبيه هو الدلالة على اشتراك شيئين في وصف هو من أوصاف الشيء الواحد وقال ابن رشيق في العمدة التشبيه صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة لأنه لو ناسبه مناسبة كلية كان إياه ألا ترى إلى قولهم خد كالورد إنما مرادهم احمرار أوراقه وطراوتها لا ما سوى ذلك من صفرة وسطه وخضرة كمائمه انتهى حد ابن رشيق وقيل التشبيه إلحاق أدنى الشيئين بأعلاهما في صفة اشتركا في أصلها واختلفا في كيفيتها قوة وضعفا قلت وهذا حد مفيد وأورد ابن أبي الأصبع في كتابه تحرير التحبير للرماني حدا زاد في حسنه على الحد وهو أن التشبيه تشبيهان الأول منهما تشبيه شيئين متفقين بأنفسهما كتشبيه الجوهر بالجوهر مثل قولك ماء النيل كماء الفرات وتشبيه العرض بالعرض كقولك حمرة الخد كحمرة الورد وتشبيه الجسم بالجسم كقولك الزبرجد مثل الزمرد والثاني تشبيه شيئين مختلفين بالذات لجمعهما معنى واحدا مشتركا كقولك حاتم كالغمام وعنترة كالضرغام وتشبيه الاتفاق وهو الأول تشبيه حقيقي وتشبيه الاختلاف وهو الثاني تشبيه مجازي والمراد المبالغة انتهى ووقوع حسن البيان والمبالغة في التشبيه على وجوه منها إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة وقد عن لي أن أوضح هنا للطالب ما وقع من النظم البديع من تشبيه المحسوس بالمحسوس وتشبيه المعقول بالمعقول وتشبيه المعقول بالمحسوس وتشبيه المحسوس بالمعقول وهذا القسم الرابع عند أصحاب المعاني والبيان غير جائز ويأتي الكلام عليه في موضعه وقد تعين تقديم ما وعدت به أولا من تشبيه المحسوس بالمحسوس فإن الذي تقع عليه الحاسة في التشبيه أوضح مما لا تقع عليه الحاسة والشاهد أوضح من الغائب وقال قدامة أفضل التشبيه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما حتى يدلى بهما إلى الاتحاد انتهى ولم يخطر لي أن أورد هنا من التشبيهات البديعية التي اخترتها أمثلة لهذا النوع إلا ما خف على السمع وعذب في الذوق وارتاحت الأنفس إلى حسن صفاته فإن التشابيه التي تقادم عهدها للعرب رغب المولدون عنها فإنها مع عقادة التركيب لم تسفر عن بديع معنى ما أقل وندر فمن ذلك قول امرئ القيس وتعطو برخص غير شثن كأنه * أساريع ظبي أو مساويك اسحل فغاية امرئ القيس هنا أنه شبه أنامل محبوبته بأساريع وهي دواب تكون في الرمل ظهورها ملس وبمساويك أسحل والأسحل شجر له أغصان ناعمة أين هذا من قول الراضي بالله في هذا الباب قالوا الرحيل فأنشبت أظفارها * في خدها وقد اعتلقن خضابا فكأنها بأنامل من فضة * غرست بأرض بنفسج عنابا ومثله قول القائل قبلته فبكى وأعرض نافرا * يذري المدامع من كحيل أدعج فكأن سقط الدمع من أجفانه * لما بدا في خده المتضرج برد تساقط فوق ورد أحمر * من نرجس فسقى رياض بنفسج أنظر أيها المتأمل إلى هذه التشابيه التي يرشفها السمع مداما وتهيم الأذواق السليمة في محاسنها غراما ومن ذلك قول ابن حاجب النعمان ثغر وخد ونهد واحمرار يد * كالطلع والورد والرمان والبلح ومثله قول ابن رشيق بفرع ووجه وقد وردف * كليل وبدر وغصن وحقف المراد هنا من حسن التشبيه وبليغه غير كثرة العدد في الصفات فإن قاضي القضاة نجم الدين بن البارزي نور الله ضريحه وصل فيه من العدد إلى سبعة وأوردت ذلك في باب اللف والنشر وأوصله الناس إلى أكثر من ذلك ولكن جل القصد هنا غير كثرة العدد فإن المراد من التشبيه غرابة أسلوبه وسلامة اختراعه كقول القائل